كيف تغسل قلبك من الكبر

 عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُحشَرُ المُتكبِّرونَ أمثالَ الذَّرِّ يومَ القيامةِ في صُور الرِّجالِ، يغشاهُمُ الذُّلُّ من كلِّ مكانٍ، يُساقونَ إلى سجنٍ من جهنَّمَ يُسمَّى بُولس، تعلوهم نارُ الأنيارِ، يُسقَونَ من عُصارةِ أهلِ النَّارِ طِينَةِ الخبالِ».
الحمد لله العلي الكبير، والصلاة والسلام على البشير النذير، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:  
فإن الكِبر داء خطير، ومرض عُضال، وعلّة معطبة، تُورِد الإنسان موارد الهلكة، فتُغضِب الله عليه، وتُوجِب لصاحبها بها العذاب.  
فالواجب المتحتم على كلِّ مسلم أن يبتعد عنه ويحذر منه، وينتبه إلى مداخله على النفوس، وتلبيساته على القلوب، وإليك بعض الوسائل المعينة على تركه والتخلص منه، والله الموفق، والهادي إلى سواء السبيل:  
– أن تقف على شناعته وبشاعته، وأنه مما يستوجب غضب الله تعالى وسخطه ونقمته، فهو مشاركة لله تعالى في صفة من صفاته – فإن الكبرياء لا تكون إلا لله تعالى، ومن شاركه في صفة من صفاته قصمه وأهلكه، وجعل النار مستقرَّه ومكانه.  
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عزَّ وجلَّ: الكِبرياءُ رِدائِي، والعظمَةُ إزاري، فمن نازَعني واحدًا مِنهما، قذَفتُهُ في النَّار» (صحيح مسلم: [2/1605] [2620]، وصحيح سنن أبي داود: [2/770] [3446] واللفظ له، وصحيح سنن ابن ماجة: [2/405] [3366]).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُحشَرُ المُتكبِّرونَ أمثالَ الذَّرِّ يومَ القيامةِ في صُور الرِّجالِ، يغشاهُمُ الذُّلُّ من كلِّ مكانٍ، يُساقونَ إلى سجنٍ من جهنَّمَ يُسمَّى بُولس، تعلوهم نارُ الأنيارِ، يُسقَونَ من عُصارةِ أهلِ النَّارِ طِينَةِ الخبالِ» (صحيح الترمذي: [2/304] [2025]، وقال الألباني: “حسنٌ”).
وعن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخُلُ الجنَّة من كان في قلبهِ مِثقالُ ذرَّةٍ مِن كِبرٍ» (صحيح مسلم: [1/90] [149]). قال تعالى: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِ‌ينَ} [الزمر من الآية:60].
– أن تعلم أن المُتكبِّر محتقر عند الله تعالى ثم عند الناس، فإن الخلق يمجُّون من يرونه مُتكبِّرًا، يكرهونه من أعماقهم، ويبغضون رؤيته ومجالسته، والحديث إليه، فهو ينظر إليهم من علوٍ، شامخ بأنفه، نافخ لصدره، متعجرف في كلامه، لا يراهم شيئًا مذكورًا، فمن ذا الذي يرضى لنفسه بهذه المنزلة؟!
ويوم القيامة تظهر الحقيقة، ويُحشر المرء بوزنه الحقيقي، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّهُ ليأتي الرَّجُلُ العظيمُ السَّمينُ يومَ القيامةِ لا يزِنُ عندَ اللهِ جَناحَ بعوضَةٍ»[1] وقال: «أقرءوا {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف:105]».
– أن تذهب إلى المقابر، لتنظر بعين البصر والبصيرة إلى أولئك الأقوام الذين ضمتهم تلك الحفر، فأين ملوكهم؟ أين الجبابرة منهم؟ أين من ملأ الدنيا ضجيجًا وصخبًا، وكان يقول بلسان حاله ومقاله: ومن مثلي؟!
فإذا به كغيره في ذ لك المضجع الحزين، يُشفِق عليه من يمرُّ به، فأين ملكه الذين كان يصول به؟ أين ماله الذي كان يتكبَّر بجمعه ومنعه؟ أين عِلمه الذي كان يتغطرس بتحصيله؟ أين فراشه الوثير؟ وقصره المنيف؟ أين اللباس الثمين؟ أين الخدم والأجراء؟ أين النعومة والرقة؟ أين المراكب والمطاعم والمشارب؟
نُزِعت من يده، وتركها مرغمًا خلف ظهره، وذهب عنها وفي قلبه حسرات عليها، فإذا به يعاني من الحسرات منها، فالحساب ثقيل، والميزان دقيق، والديوان لا يغادر الصغائر ولا الكبائر.
فأين من كان يتعفّف عن لقاء الناس وكلامهم والحديث إليهم، ويتقذر من ملامستهم؟
لقد أصبح للدود مأكلًا، وللهوام طعامًا، وصار بيت الصديد والدود مضجعه ومسكنه، والحشرات جيرانه الذين لا يفارقونه!  
فأين الكِبر؟ أين التعالي؟ لقد دُفِنَ الفقير بجوار الغني، ودُفِنَ الأمير بجوار المأمور، ودُفِنَ الوزير بجوار الحقير، فهل تتمايز قبورهم إلا بما فيها من نعيمٍ أو عذاب؟! أما ظهورها فالهدوء والسكون جاثم، وأما دواخلها فالدواهي والعِظائم!
– أن تذهب لزيارة الفقراء والمساكين، لترى فضل الله عليك، وتشعر بما أنت فيه من نعم سُلبت من غيرك وسيقت إليك ابتلاء من الله لك، وامتحانًا منه لإيمانك.  
ولعلَّ الشيطان يقعد على طريق هذه الزيارة، فيثقلها عليك، ويحول بينك وبينها –  ليحرمك منها، وتأتي نفسك الأمارة بالسوء لتقول لك: أيُعقل منك هذا؟! أنت صاحب الجاه والمال والحسب والنسب تذهب لهذه البيوت الفقيرة، فتدخل هذه الأحياء الحقيرة؟ وتجلس -على جلالة قدرك- على هذه الفُرَش الوسخة القذرة، وتصافح تلك الأيدي الشعثة الخشنة، وتمسح على رأس ذلك الطفل الذي تمزقت ثيابه، وتفرق شعره، واتسخت وجنته وخده بالأقذار والأكدار؟
فلماذا تذهب إليهم وهم ينظرون لجيبك أكثر مما ينظرون لوجهك؟ ويطمعون في عطائك أكثر مما يفرحون بلقائك؟
وربما يؤصِّل هذه النظرة السيئة بعض أعوان الشيطان، فيُخوِّفونك من هذه الزيارة ويحولون دون ذهابك للفقراء، ويحاولون بما أوتوا من خبث ودهاء أن تبقى أسير الحياة البرجوازية والعيش المخملي دون تعكير للنفس بما ترى من حياة الفقراء.  
فأرغم النفس بهذه الزيارة، وسترى نتائجها العجيبة، وخصوصًا إذا حملت معك ما يُدخل على الفقراء البهجة والفرحة، وأنا على ذلك زعيم أنك ستشعر بسعادةٍ لم تلامس شغاف قلبك من زمن!  
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» (صحيح مسلم: [4/1799] [2963]).
– زيارة منك إلى السجون ستعالج الكثير من الكبرياء المتأصلة في نفسك، لأنك سترى بعينك من المآسي والأحزان ما يغتسل به القلب من كثير من الأوساخ والأدران، فهذا غنيٌّ ثري، تغير به الزمان، وأغارت عليه الأحزان، فهاهو ينغمس في الديون التي أثقلت كاهله وعجز عن سدادها، فإذا به في غياهب السجون كالمطعون.  
وهذا صاحب الجاه والمنصب والمركز الاجتماعي وقع في زلَّة عُمره، فإذا به يجور عليه الزمان، فتنكشف سوءته، ويتضح ما كان مخبوءًا من أمره، فإذا به بين جدران السجون.  
وهذا الذي كان يتعالى على أقرانه ويتكبّر على خلانه، وقع في شِراك من كان يخادعه ويُملي له، فإذا به يمكُر ويغدر به، ثم إذا حان وقت الجدِّ وزمن النصرة تخلَّى عنه من عاش من أجله، فإذا به يتجرّع غصص الغدر وآلام المكر. وكم سترى من قصص تُعيد لك الكثير من الحسابات الخاطئة في حياتك.  
– زيارة منك للمستشفيات كفيلة بتغيير كبير في حياتك، فكم سترى من مآسي وأحزان، وآلام وأسقام، فهذا يصرخ من الألم، وهذا في غيبوبة كاملة لا يشعر بأحبابه وأقاربه الذي يذرفون دموع الحزن فوق سريره، وهذا مقطوع الأعضاء، وهذا مشلول الحركة في عجزٍ كامل عن خدمة نفسه، وهذا فاقد للشعور يُلبسه من بجواره (الحفايظ) كما يُلبِسونها لصغارهم، وهذا ينتظر ساعة الموت والنقلة إلى الله تعالى، وهذا قد نخره المرض المميت يطلب الدعاء من كل أحد بعد أن يئس من علاج الأطباء، وهذا جريح يثعب دمًا، وهذا يعاني من الأمراض المزمنة المحزنة، فأين أنت عن هؤلاء جميعًا؟ لماذا ألهاك التكاثر عن هذه الزيارات التي يستفيد منها الزائر أكثر من فائدة المزور؟!
فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن مع صاحب البلاء؛ تواضعًا لربك، وإيمانًا» (أخرجه الطحاوي في الآثار، انظر: السلسلة الصحيحة: [6-2 /885] [2877]).
– اقرأ كتب التاريخ والسير والتراجم لتقف على كثير من القصص لمن كانوا على شاكلتك، يتكبّرون ويتجبّرون، فإذا بهم عِظات لغيرهم، وعبر لمن بعدهم، كانوا يظنون أنهم مانعتهم حصونهم وقصورهم وأموالهم ومناصبهم من الله، فإذا بالله تعالى يُنكِّل بهم، فيجعلهم عِبرة للمعتبرين وعِظة بالغة للمتعظين، وما يعقلها إلا العالِمون!  
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما رجلٌ يتبختَرُ، يمشي في برديهِ، قد أعجبتهُ نفسُهُ، فخسَفَ الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» (صحيح البخاري: [7/44] [5789]، وصحيح مسلم: [3/1316] [2088]).
– الجلوس بين يدي العلماء العاملين والدعاة المخلصين الصادقين، لينهل من عِلمهم، ويغترف من أخلاقهم، ويقتبِس من نورهم، ما يرجو به شفاء قلبه العليل، وربما يسمع من أحدهم كلمة ينفعه الله بها على مدى عمره، ويرتفع بها حظه عند ربه، وفي مجالس العلم إرغام لهذه النفس التي تتمرد على هذه المجالس وتضيق بها ذرعًا، فتغدو فيها كالطير في قفصه، ولذلك فمجالس العلم من أعظم أسباب صفاء النفس وطيب القلب وراحة الضمير.
– قراءة القرآن الكريم بتدبر، والنظر في حكمه وأحكامه بتعقل، من أعظم الأسباب الموجبة لذهاب الكبر من النفس، فهو شفاء لما في الصدور، وطهارة لما في القلوب، وغسل لما في النفس من الأدناس والأنجاس، وفيه من العظات البينات ما تطيب به القلوب من أدوائها.  
واحذر أن تكون ممن قال الله فيهم: {سَأَصْرِ‌فُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُ‌ونَ فِي الْأَرْ‌ضِ بِغَيْرِ‌ الْحَقِّ وَإِن يَرَ‌وْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَ‌وْا سَبِيلَ الرُّ‌شْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَ‌وْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف:146].
– النظر في سيرة الحبيب المعصوم صلى الله عليه وسلم وكثرة قراءة سيرته العجيبة، فهو أكمل الناس قدرًا وأعظمهم منصبًا وأشرفهم نسبًا، وأطهرهم قلبًا، وأكثرهم عِلمًا، وأكبرهم جاهًا، فهو العظيم الذي لا يجارى، والكبير الذي لا يُبارى، ومن مثله في شرفه ورفعة قدره؟!
وبالرغم من ذلك فهو المتواضع الرحيم، واللين الكريم.. أحنى الناس قلبًا، وألطفهم معشرًا، وأعطفهم عليهم، ليس في الخلق مثله في تواضعه ولطفه، وما زاده ذلك إلا تشريفًا وتعظيمًا، وتوقيرًا وتكريمًا، فعليك بقراءة سيرته، فهي البلسم الشافي لكثير من أدواء القلوب!  
– الدعاء والتضرع بين يدي مولاك، أن يُنجيك من شرِّ الكِبر وأوضاره، وأن يطهر قلبك من التعالي وأخطاره، فالقلوب بين يدي الذي يقلبها كيف يشاء، وهو الله ربّ العالمين، فتضرع بين يديه أن يقيك من شرور النفس، وألحَّ عليه أن يمنحك التواضع، وأن يحليك باللطف و العطف والرقة والرحمة، وما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيم.  
– أن تتذكّر أصلك الذي خلقت منه، وأنك لم تكن شيئًا مذكورًا، فخلقك الله من ماءٍ مهين، وأخرجك من موضع البول مرتين، فأوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وبينهما تحمل في بطنك العذرة.  
فتأمّل في ضعفك يا من تهلكة الفيروسات، وترديه الحشرات، وتزعجه البعوضة، وتميته الشرقة، وتدميه البقة، تأمّل -أيها المتكبر- ما يخرج من بطنك، ويكفيك!
وإذا أردت أن تتكبّر فلا تدخل إلى دورة المياه، فما يليق بمن يرى نفسه فوق الورى أن يلج إلى بيت الخلاء!  
هل يكفيك هذا؟! أعتقد أنه ما عاد للكِبر مكان، فليرحل إلى غير رجعه لينغرس في قلوب الأقزام!
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *