النظام يفقد توازنه في الرأس وصراع الهيمنة في مرحلة ما بعد السم النووي

 
تعتبر تصريحات أدلى بها الملا جنتي في صلاة الجمعة (14آب/ أغسطس) جوانب جديدة من صراع الهيمنة في رأس النظام. وظهر الملا جنتي إلى الساحة نيابة عن خامنئي ليرد على تصريحات أطلقها رفسنجاني مؤخرا بشكل صريح وواضح ويحتوي ومن خلال التهديد والتوعد حملة جديدة قام بها رفسنجاني بهدف فرض سيطرة تامة على الهيمنة.
وحذر خطيب الجمعة لخامنئي وردا على وعد رفسنجاني القاضي بالحضور في مجلس الخبراء للنظام المتخلف وفرض سيطرة تامة على هذه المؤسسة الحاسمة وذات الهيمنة في نظام الولاية قائلا: «فيما يتعلق بمجلس الخبراء هناك البعض يحاولون تسيسس القضية وثم وبعد ما دخلوا المجلس (باعتبارهم أعضاء) سيقومون بما يرغبون فيه وإذا نجحوا _ولن ينجحوا بعونه تعالى_ فسوف يتسببون في مشاكل للنظام والبلاد والثورة قاطبة». ثم هدد وتوعد بصفته سكرتيرا لمجلس صيانة الدستور للنظام مؤكدا على «ضرورة توخي الحذر من قبلنا ومن قبل مجلس صيانة الدستور أكثر من أي طرف آخر ليستطلع أشخاصا نزيهين وغير نزيهين ويفصل بينهم». كما أذعن جنتي مباشرة بأن ذلك «يعتبر إجراءا صعبا وثقيلا». بمعنى أنه يجري صراع جاد على السلطة في رأس النظام من شأنه أن يؤدي إلى نزف الدماء داخل النظام.
كما رد الملا جنتي على تصريح رفسنجاني أدلى به قبل أسبوع: «يرغب الأمريكان في الابتعاد عن الماضي بطريقة ما» و«لقد كان أداء الأمريكان لا بأس به وجيدا نسبيا لحد الآن» (صحيفة آرمان 8آب/ أغسطس) وردد جنتي موقف خامنئي قائلا: «ذكر سماحة القائد أن موقفنا إزاء أمريكا لم ولا يتغير» و«أن سياساتنا في المنطقة هي تختلف عن السياسات الأمريكية 180 درجة».
وبشأن ضربة وجهها رفسنجاني لخامنئي من خلال اتهامه بالفساد في الانتخابات عامي 2005و2009 حيث وصفهما بـ«غير نزيهتين» مؤكدا على «أن سلب حق المواطنين في الانتخاب يعتبر إثما كبيرا»، رد جنتي قائلا: «عندما لا تقتضي مصالحهم فيشيرون إلى التزوير كما أكدوا على ذلك في الانتخابات عام 2009… وفي مجال آخر حيث انتهت القضية لصالحهم… يقولون إن مجلس صيانة الدستور والأجهزة الأمنية أرادوا أن يمسوا بنزاهة الانتخابات ولكن خاب ظنهم حيث خافوا من المواطنين، يا الله! أين الإنصاف؟». وإذ قال جنتي «من هم الذين تتهمونهم بالتزوير وما شابه ذلك؟» أكد على أن مقصود رفسنجاني من المزور هو خامنئي نفسه.
ووجه جنتي ضربة آخر لروحاني مؤكدا على أن المشاكل الحادة والصعبة نظير «مشكلة البطالة» و«مشكلة الاشتغال» و«مشكل السكن» هي باقية ومستمرة و«قصمت ظهور المواطنين» حيث «لا تتم معالجتها من خلال إطلاق وعود وشعارات وتصريحات من فوق منصة». كما أعلن عن بيت القصيد لكلامه مما كشف النقاب عن الصراع المزايد والمستمر في رأس النظام عبر جملة واحدة حيث قال: «إنهم يريدون أن يستسلم الكل أمامهم وذلك سواء كان الكل مجلس صيانة الدستور أو السلطة القضائية أو مجالات أخرى». بمعنى أن كلا من رفسنجاني وروحاني يرغبون في فرض السيطرة بشكل تام على هيمنة النظام وجميع مؤسساته ولكننا لا نسمح و«نتوخى الحذر»، كما «لا بد لمجلس صيانة الدستور أن يتوخى الحذر أكثر من الآخرين».
ثم أشار الملا جنتي أيضا إلى سبب احتدام صراع الهيمنة في المرحلة الراهنة في النظام أي مرحله ما بعد تجرع السم النووي وقال: «لا تعتبر القضية النووية قضية حزبية… ولا يجوز أن يستخدم أشخاص تلك القضية بمثابة أداة بأيديهم وذلك في قضية الانتخابات». وتكشف هذه الجمل التي أطلقها جنتي وبكل وضوح النقاب عن المضمون الرئيسي لصراع السلطة في النظام في الوقت الحاضر. وإذا انتبهنا إلى ما اتخذه كل من رفسنجاني وروحاني من تصريحات ومواقف خلال الأسابيع الأخيرة، فنلاحظ هذا المضمون بشكل مضبوط. وإنهما يؤكدان _وبشكل أكثر صراحة من جانب رفسنجاني حيث يطلق روحاني تصريحاته تحت أقنعة إلى حد ما_ على أنه وبعد الاتفاق النووي أو بما يسمونه مرحلة «ما بعد الاتفاق» يجب أن يتم تقسيم السلطة من جديد. لأننا أنقذنا ومن خلال هذا الاتفاق النظام حيث كانت أجواء من الحرب تخيم عليه وكان على حافة هاوية السقوط والانهيار وبالنتيجة من حقنا أن نسيطر على مقاليد السلطة الرئيسية؛ الأمر الذي نظمته الصحف التابعة لعصابة خامنئي.
وصحيفة جوان المحسوبة على ميليشيات الباسيج التابعة لقوات الحرس لخصت هذا المضمون في عنوان افتتاحية نشرتها في عددها الصادر بتأريخ 12آب/ أغسطس بشكل جيد وهي: «قطف الثمر غير الناضج لـ”برجام“ من الناحية السياسية». وكتبت صحيفة ميليشيات الباسيج قائلة: «لقد بدأ بعض من الناشطين والتيارات السياسية في الداخل يقطفون فعلا أثمار ”برجام“ من الناحية السياسية» ويأتي «الإعلان المبكر لترشيح السيد هاشمي رفسنجاني نفسه لانتخابات مجلس الخبراء» في هذا الإطار.
ويصدق كل من الصحف التابعة لعصابة خامنئي التي نشرت مقالات حول هذه القضية وجنتي الذي خصص صلاة الجمعة للإعلان عن هذا الصراع. ولكن الحقيقة هي أن أول من قطف الثمر غير الناضج للمفاوضات والاتفاق حيث استبق الكل في ذلك الأمر وكان أول من أطلق الرصاص، ليس إلا خامنئي الذي روى حكاية حول مجيء سلطان عمان ولقائه إياه حيث كان حاملا رسالة من جانب أمريكا حول بدء المفاوضات. كما أكد خامنئي على أنني سمحت بانطلاق المفاوضات في الحكومة السابقة. كما شاهدنا صراعا بين خامنئي ورفسنجاني حول هذه القضية فيما بعد حيث كان رفسنجاني يحاول أن يستعيد ما كان خامنئي حاول أن يستحوذ عليه حيث قال: أجل كانت آنذاك مفاوضات ولكن لم تكن تكتسي أهمية وجدية لأن هناك لم تكن إرادة للاتفاق وبالنتيجة لم تتوصل إلى نتيجة، وبدأت المفاوضات الحقيقة في حكومة روحاني. وبعده جاء دور خامنئي ليرسل صالحي رئيس منظمة الطاقة النووية للنظام إلى الساحة ليعلن نيابة عنه: أن المفاوضات كانت قد أحرزت تقدما إلى درجة، عندما أخبرت روحاني به وذلك بعدما وصل إلى السلطة، لم يكن يصدق ذلك المدى من التقدم الذي أنجز في المفاوضات.
وتبين هذه الهجمات والهجمات المعاكسة أنه وفي منعطف نهج تجرع السم النووي لقد فقد النظام توازنه ولا بد من أن يجري تعادل جديد حيث تحاول كل واحدة من العصابتين أن تسجل المنعطف لصالحها باعتباره مشروعا وإبداعا أتت بهما ذاته لتتمكن من فرض سيطرتها ومدها في مرحلة ما بعد الاتفاق.
وعلى أية حال، أن هذا الصراع المحتدم على الهيمنة هو في مراحله الأولية حيث ترتفع نبرته دوما حتى مهزلة الانتخابات. ولكن ولحد ذلك الحين سوف تكون هزات قوية ومدمرة بالمرصاد بالنسبة للنظام مما يصعد ويشدد هذا الصراع ويستعير فتيله.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *